الدكتور جوزيف الياس

فهرس: صفحة المدخل     سبرة علميّة       ملاحق     صور المؤلفات العامّة     صور الكتب المدرسيّة     مقالات جديدة    للاتصال بنا




دور اللبنانيّين في صحافة وادي النيل




تمهيد قيل الكثير، في ما مضى، في هجرة اللبنانيّين إلى وادي النيل، وهي هجرة دعاها بعضهم هجرة الأقلام، ودعاها المصريّون "هجرة الشوام"، ودعاها بعض مؤرّخي الغرب "هجرة السوريّين"، وكُنِّيَ عن المهاجرين أحياناً بتعبير "الأقلام المهاجرة". وما قيل في هذا كلّه ليس بالقليل، إذ حُبّرَت آلاف الصفحات في عوامل الهجرة وأسبابها، وفي موجات الهجرة وأسماء المهاجرين وآثارهم. وقد ردّ معظم الدارسين هجرة اللبنانيّين (أو السوريّين اصطلاحاً) إلى وادي النيل، إلى عواملَ أبرزها اثنان: الأوّل عهد السلطان عبد الحميد الذي بدأ عام ۱۸۷٦، وشَهِدَ، فور اعتلاء عبد الحميد العرش، إصدار أوّل دستور عثمانيّ (مشروطية). لكنّ الدستور عُطِّلَ إثر نشوب الحرب الروسيّة العثمانيّة، وبدأ التضييق على الحرّيّات اعتباراً من عام ۱۸۷۸، ثم دخلت الدولة في طور استبداديّ دام حتى الانقلاب الدستوريّ عام ۱۹۰۸. وفي مقابل ذلك، كانت مصر تعيش، يومئذ، في ظلّ ولاية الخديوي إسماعيل الذي كان مبهوراً بباريس وبالحضارة الفرنسيّة، والذي شُقّت في عهده قناة السويس وافتُتِحَت دار الأوبّرا، وكان يطمح إلى أن تصبح القاهرة باريس الثانية، لكنّ طموحه وبذخه رتَّبا على مصر ديوناً باهظة، فعُزل عام ۱۸٦۹، ووُضِعت مالية مصر تحت رعاية الانكليز والفرنسيّين؛ ثمّ نشِبت، عام ۱۸۸۱، ثورة عرابي باشا التي انتهت باحتلال الإنكليز لمصر. والعامل الثاني هو طبيعة جبل لبنان الصخريّة التي كانت سبباً في قلّة الموارد وضيق ذات يد أهل الجبل، وما خرج عن حدود المتصرفيّة، في الشريط الساحليّ والسهل الداخليّ وبعض الأقضية، بات يتبع ولاية سورية من عام ۱۸٦۵ إلى عام ۱۸۸۸، حين أنشئت ولاية بيروت التي شملت الساحل كلّه، وامتدَّت شمالاً حتّى اللاذقيّة. وإذا كان اللبنانيّون قد شخصوا بأبصارهم إلى وادي النيل، وبخاصّة القاهرة والإسكندريّة، بعاملَي الاستبداد والفقر، فإنَّه ليُمكِنك أن تُضيف عاملاً ثالثاً، هو أنّ اللبنانيّ بعامّةٍ والمسيحيّ اللبنانيّ بخاصّة، أمرؤ طَموح ضاق واقعه بمُرتَجاه وأحلامه، حتّى ضاق الثوب بالجسم، وضاق الجلد باللحم والعظم.

الحقبة الزمنيّة التي تعنينا في هذه الدراسة هي حقبة العهد الحميديّ التي تمتدّ من اعتلاء السلطان عبد الحميد العرش عام ۱۸۷٦ حتى الانقلاب العثمانيّ عام ۱۹۰۸، وهي حقبة دامت ثلث قرن. لكنْ، لابدّ من الإشارة إلى بداياتٍ مبكّرة مهَّدت للحقبة وكانت استثناءً من القاعدة، ولا بُدّ من الإشارة إلى أعلام لبنانييّن برَّزوا في الصحافة المصريّة بعد انقلاب العام ۱۹۰۸. ولدى التدقيق في لوائح أسماء المهاجرين طوال ثلث قرن، تبيّن لنا أن معظم هؤلاء، بل أغلبيّتهم المطلقة من المسيحيّين. فإن بحثت فأنت قارئ عشرات الأسماء لمهاجرين مسيحيّين، قبل أن يقع بصرك على اسم مهاجر مسلم كمحمّد رشيد رضا، وأنت قارئ أنّ أقلام المسيحيّين اللبنانيّين العاملين في مصر تشكّل ما يزيد على التسعين في المئة من أقلام "الشوام" العاملين في مصر. ومنشأ أصحاب هذه الأقلام جبل لبنان وما كان يتبع ولاية سورية من مدن الساحل، كصيدا وبيروت وطرابلس حتّى عام ۱۸۸۸، ثمّ ولاية بيروت حتّى نهاية العهد العثمانيّ. وثمّة قلّة نادرة ممّن دُعوا "الشوام" جاءت من دمشق كسليم عنحوري، ومن حلب كميخائيل الصقّال. البدايات

بدايةً، لابدّ من لفت الانتباه إلى أمرٍ جدير بالتوقّف عنده لما له من مغزًى، فإذا كانت القاهرة قد شهدت صدور أوّل صحيفة رسميّة في الشرق العربيّ كلّه هي "الوقائع المصريّة" (وقايع مصريّة) التي أصدرها الخديوي محمّد علي باشا عام ۱۸۲۸، فبيروت هي السبّاقة، بين مدن الشرق العربيّ، إلى احتضان أوّل صحيفة عربيّة حرّة أو غير رسميّة هي "حديقة الأخبار" التي أصدرها خليل الخوري، وهو في الثانية والعشرين من عمره، في الأوّل من كانون الثاني ۱۸۵۸، فعُدّت أوّل صحيفة غير رسميّة تصدر في دنيا العرب. وليس بالأمر السهل أن تتأخّر القاهرة عن بيروت في إصدار هذا النوع من الصحف مدّة ثماني سنوات، فأوّل صحيفة غير رسميّة عرفتها القاهرة هي "وادي النيل" التي أصدرها عبد الله أبو السعود عام ۱۸٦٦.

أوّل الأقلام الوافدة من لبنان، بل من بلاد الشام كلّها، إلى وادي النيل، كان قلم القسّ السريانيّ لويس صابونجي (وُلِدَ في ديار بكر ونشأ في لبنان) الذي أصدر مجلّة "النحلة الحرّة" في القاهرة عام ۱۸۷۱. وتلاه سليم باشا الحموي الذي أصدر جريدة "الكوكب الشرقيّ" في الإسكندريّة عام ۱۸۷۳، وأتبعها "شعاع الكوكب" عام ۱۸۷٦. وتلا الاثنين الأخَوان سليم وبشارة تقلا اللذان حلاّ بالإسكندريّة عام ۱۸۷٦، وأصدرا فيها جريدة "الأهرام" التي انتقل بها بشارة، عام ۱۸۹۸، إلى القاهرة، والتي عُدّت، في ما بعد، شيخة الصحف العربيّة وأطولها عمراً. والدوريّات الأربع التي ذكرنا هي وحدها ما أصدر اللبنانيّون في وادي النيل قبل أن يبدأ العهد الحميديّ، فعددنا إصدارها تمهيداً للحقبة التي ندرس، والتي نعتبر بدايتها الفعليّة مع بداية العام ۱۸۷۷.

إحصاء منهجنا في هذه الدراسة يقوم على اعتبار الدوريّة صحيفة مهاجر لبنانيّ إذا أصدرها أو شارك في إصدارها لبنانيّ. وقد عددنا، تجاوزاً، مَن وُلِدَ خارجَ لبنان (نعني لبنان الكبير أو الجمهوريّة اللبنانيّة)، ونشأ في لبنان أو عاش على أرضه وعمل فيه لبنانيّاً، وبخاصّةٍ مَن كان صحافيّاً كالقسّ لويس صابونجي الذي وُلِدَ قي ديار بكر، وأديب إسحق الذي ولد في دمشق.

أحصينا الدوريّات التي أصدرها اللبنانيّون أو شاركوا في إصدارها في وادي النيل، منذ نشأة الصحافة حتّى الانقلاب العثمانيّ عام ۱۹۰۸، فإذا بعددها يبلغ ۱۱۹ دوريّة أو ۱۱۹ جريدة ومجلّة، منها صحيفة واحدة في السودان هي جريدة "السودان" التي أصدرها فارس نمر في الخرطوم عام ۱۹۰٤. وبهذا يكون عدد الدوريّات التي صدرت في مصر وحدها ۱۱۸ دوريّة، منها سبعون جريدة وثمانٍ وأربعون مجلّة. أمّا توزّع هذه الدوريّات بين القاهرة والإسكندريّة، فهو على الشكل التالي: ستٌّ وثلاثون جريدة في القاهرة، وأربعٌ وثلاثون جريدة في الإسكندريّة، وثلاثٌ وثلاثون مجلّة في القاهرة، بعدما أدرجنا في عدادها مجلّة "المُقتَطَف" التي انتقل بها مؤسِّساها من بيروت إلى القاهرة عام ۱۸۸٤، وخمسَ عَشْرَة مجلّةً في الإسكندريّة. ولم نسجّلْ، في الحقبة التي ندرس، إصدار أيّ دوريّة في أيّ مدينة مصريّة أخرى. وقد توخّينا الدِّقّة في هذا الإحصاء قدر الإمكان، فإن كان لا بدّ من سهوٍ ما في احتساب العدد، فربّما كان بنسبة واحدٍ إلى ۱۱۹، أي في دوريّةٍ واحدةٍ زيادة أو نقصاناً.

وإذا كنّا قد توقّفنا رسميّاً في هذه الدراسة عند إعلان الدستور العثمانيّ عام ۱۹۰۸ وسقوط الحكم الاستبداديّ، لأنّ العامل الأهمّ من عوامل الهجرة قد زال، فهذا لا يحول دون إشارة سريعة إلى إصدارات الحقبة التي دُعيت في بلاد الشام العهد الدستوريّ العثمانيّ. ففي هذه الحقبة التي دامت سنوات قلائل، وامتدّت من صيف العام ۱۹۰۸ إلى أواخر العام ۱۹۱٤ تاريخ نشوب الحرب العالميّة الأولى، تراجعت الهجرة إلى وادي النيل، بل عاد بعض الأقلام إلى بيروت في ظلّ طفرة هائلة لم تشهد لها المدينة مثيلاً من قبل ومن بعد. وبهذا غدا خيار اللبنانيّ المقيم في مصر، بين أن يصدر صحيفة أو لا يصدر، خياراً شخصيّاً محكوماً بعوامل أخرى غير العوامل التي عددناها أسباباً للهجرة إبّان العهد الحميديّ. نقول هذا مع لفت الانتباه إلى أنّ الاتّحاديّين بدأوا التضييق على أحرار لبنان وسورية منذ العام ۱۹۱۲. ومع ذلك، كانت الإصدارات، في السنين التي تلت الانقلاب العثمانيّ (۱۹۰۸)، وحتى نهاية الحرب العالميّة الأولى، محدودة. لذا رأينا أنّ مجموع ما صدر في مصر، في تلك السنين لا يزيد على العشرين دوريّة ما بين جريدة ومجلّة. لكنّ هذا العدد القليل أعطانا صحفاً مشهورة ومبرِّزة، كمجلّة "الزهور" (۱۹۱۰) لأنطون الجميّل، وجريدة "اللطائف المصوَّرة" (۱۹۱۵) لإسكندر مكاريوس.

ربّما تجاوز عدد اللبنانيّين العاملين في صحافة وادي النيل المئتَيْن، فجاؤوا موزّعين بين صاحب امتياز ومدير مسؤول (أو مدير تحرير) ومحرّر. أمّا إذا سألت عمَّن أصدر من هؤلاء صحيفة أو كان صاحب امتياز صحيفة، فلسنا نرى أنّ عدد هذه الفئة قد جاوز المئة. وثمّة صحافيّون مشهورون عملوا في الصحافة المصريّة زمناً طويلاً، لكنّ شهرة هؤلاء لم تقمْ على إصدار الصحف أو غزارة الإصدار، بل هي ثمرة العمل الطويل في التحرير، ومثالنا على ذلك الصحافيّ داود بركات الذي عمل في تحرير جريدة "الأهرام"، ثمّ رأَسَ تحريرها ما يزيد على ثلاثة عقودٍ (حوالى ۳۳ سنة)، فعرفناه رئيسَ تحريرٍ أكثر ممّا عرفناه صاحب جريدة أو مجلّة.

أشهر الدوريّات
من المعايير التي اعتُمِدَت في الاختيار هنا، طول عمر الصحيفة واسم الشخصيّة التي أصدرتها. وقد اصطفينا لهذا القسم من الدراسة خمساً وثلاثين جريدةً ومجلّة عددناها الأشهر، وراعينا في كتابتها الترتيب الألفبائيّ، فجاءت على الشكل التالي:
الاتّحاد المصريّ (الإسكندريّة ۱۸۸۱)، الأحوال (الإسكندريّة ۱۸۸۲)، الأخبار ( القاهرة ۱۸۹٦)، الأهرام (الإسكندريّة ۱۸۷٦ ثم القاهرة ۱۸۹۸)، بريد الأحد (القاهرة ۱۹۰۲)، البصير (الإسكندريّة ۱۸۹۷)، البيان (القاهرة ۱۸۹۷)، التجارة (الإسكندريّة ۱۸۷۸)، الجامعة (الإسكندريّة ۱۸۹۹)، الجوائب المصريّة (القاهرة ۱۹۰۳)، الحقوق (القاهرة ۱۸۸٦)، سلسلة الفكاهات (القاهرة ۱۸۹۳)، السلطنة (القاهرة ۱۸۹۷)، صدى الأهرام (الاسكندرية ۱۸۷۷)، صدى لبنان (القاهرة ۱۹۰۱)، الضياء (القاهرة ۱۸۹۸)، العدل (القاهرة ۱۸۹۵)، العصر الجديد (الإسكندريّة ۱۸۸۰)، العصر الجديد (القاهرة ۱۹۰۰)، الفتاة (الإسكندريّة ۱۸۹۲)، فتاة الشرق (القاهرة ۱۹۰٦)، القاهرة (القاهرة ۱۸۸۵)، الكلمة الحرّة (القاهرة ۱۹۰۲)، لسان العرب (الإسكندريّة ۱۸۹٤)، مجلّة سركيس (القاهرة ۱۹۰۵)، مجلّة السيّدات والبنات (الإسكندريّة ۱۹۰۳)، المجلّة المصريّة (القاهرة ۱۹۰۰)، المحروسة (الإسكندريّة ۱۸۸۰)، مرآة الحسناء (القاهرة ۱۸۹٦)، مرآة الشرق (القاهرة ۱۸۸۲)، مصر (القاهرة ۱۸۸۱)، المصوَّر (القاهرة ۱۹۰۲)، المُقتَطَف (بيروت ۱۸۷٦ ثم القاهرة ۱۸۸٤)، المُقَطّم (القاهرة ۱۸۸۹)، المنار (القاهرة ۱۸۹۸)، الهلال (القاهرة ۱۸۹۲). أشهر الصحافيّين

وقع اختيارنا هنا على أسماء لمعت في صحافة وادي النيل، بعضها أصدر صحفاً وبعضها الآخر عمل في التحرير فقط. وقد راعينا في كتابتها الترتيب الألفبائيّ، فجاءت على الشكل التالي:

يوسف آصاف، أديب إسحق، ، فرح أنطون، داود بركات، بشارة تقلا، سليم تقلا، أنطون الجميّل، سليم حبالين، أمين الحدّاد، نجيب الحدّاد، سليم الحموي، يوسف الخازن، أمين الخوري، محمّد رشيد رضا، جرجي زيدان، خليل زينيّة، سليم سركيس، سجعان عارج سعادة، سليم الشدياق، إسكندر شلهوب، رشيد شميّل، شبلي شميّل، يعقوب صرّوف، جورج طنّوس، طانيوس عبده، نجيب غرغور، نخلة قلفاط، روفائيل مشاقة، خليل مطران، شاهين مكاريوس، إبراهيم نجّار، سليم نقّاش، فارس نمر، هند نوفل، لبيبة هاشم، إبراهيم اليازجي. صحافيّون تعدَّدت إصداراتهم
لا يعنينا في هذا الإحصاء إلاّ مَنْ أصدر من اللبنانيّين أو شارك في إصدار دوريّات لا يقلّ عددها عن ثلاث. وقد اخترنا لهذا النوع من الإحصاء أربعةَ عَشَرَ اسماً هي:
- نجيب غرغور: الببَّغاء، حديقة الأدب، المنارة، الابتسام، أبو نواس، العالم الجديد.
- سليم الحموي: الكوكب الشرقيّ، شعاع الكوكب، الإسكندريّة، روضة الإسكندريّة، الفلاّح. - سليم تقلا: الأهرام، صدى الأهرام، الوقت، الأحوال.

- بشارة تقلا: الأهرام، صدى الأهرام، الوقت، الأحوال.
- يعقوب صرّوف: المقتَطَف، المُقطَّم، المُقطَّم الأسبوعيّ، ملحق المُقَطَّم المُصَوَّر.
- فارس نمر: المقتَطَف، المُقطَّم، المُقطَّم الأسبوعيّ، ملحق المُقَطَّم المُصَوَّر.
- إسكندر شلهوب: الرأي العامّ، الفتى، السلطنة، العصر الجديد.
- جورج طنّوس: القمر، الكوثر، الرقيب، الأقلام.
- أديب إسحق: التجارة، المحروسة، مصر.
- سليم حبالين: الأمّة، العدل، الوظيفة.
- يوسف الخازن: الأخبار، بريد الأحد، الخزانة.
- شاهين ماريكوس: اللطائف، المقطَّم، المقطَّم الأسبوعيّ.
- إبراهيم نجّار: المصباح الجديد، الكلمة الحرّة، الكلمة الحقّة.
- سليم نقّاش: التجارة، المحروسة، العصر الجديد.

أطول الدوريّات عمراً
إذاً ما طرحنا جريدة "الوقائع المصريّة" جانباً لأنها صحيفة رسميّة، تكون أطول الدوريّات عمراً في وادي النيل هي تلك التي أصدرها صحافيّون لبنانيّون، وهي، في رأينا، ثلاث دوريّات لا تُنازعها رابعة. وتأتي في مقدّمة الدوريّات الثلاث شيخة الصحافة العربيّة حتّى يومنا هذا، ونعني بها جريدة "الأهرام" التي أصدرها سليم وبشارة تقلا في الإسكندريّة عام ۱۸۷٦، ثم انتقل بها بشارة تقلا إلى القاهرة عام ۱۸۹۸، وما زالت تصدر حتَّى اليوم. وتليها مرتبةً مجلّة "الهلال" التي أصدرها جرجي زيدان في القاهرة عام ۱۸۹۲، وهي مجلّة شهريّة ما زالت تصدر حتّى اليوم. وتأتي في المرتبة الثالثة مجلّة "المقتَطَف" التي أصدرها يعقوب صرّوف وفارس نمر في بيروت عام ۱۸۷٦، ثم انتقلا بها إلى القاهرة عام ۱۸۸٤، وهي مجلّة شهريّة علميّة رصينة استمرّت تصدر حتى عام ۱۹۵۲.

وبهذا ينعقد اللواء للبنان في صحافة وادي النيل، ويكون قصب السبق، بين الصحافيّين اللبنانيّين هناك، لسليم وبشارة تقلا أوّلاً، وليعقوب صرّوف وفارس نمر ثانياً، ولجرجي زيدان ثالثاً. فهؤلاء الخمسة هم شيوخ الصحافة اللبنانيّة في وادي النيل.
خاتمة البحث
دعونا هجرة الصحافيّين إلى وادي النيل بالهجمة المِعطاء أو الهجمة المستَحَبَّة؛ لذا كان لا بدّ لهذه الهجمة من أن تترك بصماتها في الصحافة المصريّة أوّلاً وفي المجتمع المصريّ ثانياً. فأثر اللبنانيّين في الصحافة المصريّة وفي المجتمع المصريّ واضح على ثلاثة مستويات: أوّلها أثر في تسميات الصحف، وثانيها أثر في النزوع المطلق إلى الحرّيّة، واللبنانيّون سبّاقون دوماً إلى هذه النزعة، وثالثها أثر في الثقافة أو في الهويّة الثقافيّة بعمقها وتنوُّعها وشمولها، وهي قد تبدَّت لنا في مجالات شتّى . ولك، إذا ما بالغتَ قليلاً، أن تتلمَّس أثراً رابعاً تتبدّى لك خيوطه في اندفاعة اللبنانيّ وطموحه، وفي روح المغامرة لديه. ولعلّ هذا ما سمحَ لنا بالقول، في بحوث ودراسات أخرى، بالقول إنّ اللبنانيّ أنجحُ الناس فرداً وأفشَلُ الناس جماعةً. ومِصداق ما نقول في طموح اللبنانيّ، وفي عطائه الفرديّ على الصعيد الصحافيّ فقط، هو ما رأينا من أثرٍ له في صحافة الغرب، أو ما نسمّيه دوراً له في الصحافة المهاجرة غرباً كتلك المهاجرة إلى وادي النيل. فالصحافة العربيّة في الأميركتين وفي أوروبا أنشأتها اليد اللبنانيّة، وقامت وازدهرت على كاهل اللبنانيّ بعامّة، والصحافيّ اللبنانيّ بخاصّة. فللّه درّ أولئك الطامحين الذين تركوا بصماتهم الصحافيّة في القارّات الخمس، بل قل في مشارق الدنيا ومغاربها !

ورقة عمل قُدِّمت في ندوة "أثر اللبنانيّين في مصر" (بيروت) يوم 29 شباط 2012

 

جميع حقوق النشر محفوظة dr.josephelias.com