الدكتور جوزيف الياس

فهرس: صفحة المدخل     سبرة علميّة       ملاحق     صور المؤلفات العامّة     صور الكتب المدرسيّة     مقالات جديدة    للاتصال بنا




المطران حميد موراني في كتاباته الأخيرة




ودّع اللبنانيّون بعامّة، والموارنة بخاصّة، الّلاهوتيّ والمفكّر الفلسفيّ الكبير المطران أنطون- حميد موراني الذي كان يبدو، في سِنيه الأخيرة، وكأنّه في عجلة من أمره، أو كأنّه في رهان على الزمن، وفي سباق مع الوقت.
رحل المطران حميد، وهو مَن لم يروِ ظمأه يوماً إلى القراءة والكتابة. وإنّي لأَذكر أنّني ما دخلت عليه يوماً إلاّ وجدته يقرأ أو يكتب، وحتّى في أيّامه الأخيرة، بل قبل الرحيل بيوم واحد كانت كتب الفلسفة والّلاهوت أمام ناظريه وفي متناول يده يغرف منها ما شاء ومتى شاء. وقد رأيته على قدر من اللّهفة وهو يدفع بكتابيه الأخيرَيْن إلى المطبعة، مع بعض الإصرار على أن يراهما قريباً وقد نُشِرا، وها هما الآن في مرحلة الطبع الأخيرة. وأوّل الكتابين هو "من الطائفيّة إلى كلّ لبنان"، وكان المطران حميد يريد له قبلاً أن يكون "العبور من الطائفيّة إلى كلّ لبنان". أمّا الثاني فهو "الهويّة المارونيّة في مجالَيْها اللبنانيّ والعربيّ"، وقد قرأت قسماً منه قبل نحو عام في ما يشبه المراجعة اللغويّة.


ولَكَم أدهشني فقيدنا الراحل حين علمت أنّه اتّصل بالأب سليم دكّاش طالباً استعارة بعض الكتب من "المكتبة الشرقيّة" (مكتبة الآباء اليسوعيّين)، ظنّاً منه أنّ هذه الكتب غير موجودة في المكتبات التجاريّة. وحين استوضحته الأمر، وسألته عن عناوين الكتب التي يريد استعارتها، عرفت أنّه يطلب اثنين من مؤلّفات الغزاليّ هما "المنقذ من الضلال" و "تهافت الفلاسفة"، وواحداً من مؤلّفات ابن رشد هو "تهافت التهافت". وأردت تخفيف العبء عن الأب سليم، بعدما عرفت أنّ الكتب الثلاثة متوافرة في المكتبات. ولم يمضِ غير أيّام قليلة حتّى كانت الكتب الثلاثة على مكتب المطران حميد. وبعد أيّام قليلة، سألته عن الكتب الثلاثة وعن مدى الحاجة إليها، فقال إنّه يعمل على موضوع فلسفيّ عربيّ. لم يُخفِ المطران حميد يوماً إعجابه بفكر الدكتور ناصيف نصّار، لذا كان يُقبِل على قراءة ما تيسَّر له من مؤلّفاته. وهو لم يُخفِ مرّة إعجابه بالرئيس سليم الحصّ وبرصانة قلمه، فكان كلّما صدر للرئيس الحصّ كتاب قرأه وعلّق عليه. وله في مؤلّفات الحصّ مقالات، بعضها نُشِر وبعضها الآخر لم يُنْشَرْ. وقد شهِدتُ، قبل أشهرٍ، جانباً من لقاءٍ للمطران حميد مع الدكتور جورج قرم، وسمعتُ المطران يعرض على الدكتور قرم، بحماسةٍ ظاهرةٍ، فكرة إنشاء رابطةٍ أو جمعيّةٍ تضمّ نخبةً مميَّزةً من الأكاديميّين والمفكّرين. ما جلست مرّة إلى المطران حميد مُصغياً أو مُحاوراً إلاّ وجدته متأثراً كلّ التأثُّر بعلمَيْن اثْنَيْن: أوّلهما لبنانيّ هو البطريرك إسطفان الدويهي الذي كثيراً ما سمعت المطران يرددّ قولاً له في "تاريخ الأزمنة"، وهو أنّ البطريرك "يتقدّم على شعبه ويتكلّم عليه". والثاني هو الفيلسوف الألمانيّ هيغل الذي كثيراً ما سمعت المطران يرددّ قولاً له، وهو أنّه يرى في قراءة الصحيفة اليوميّة صَلاته الصباحيّة.

كتب المطران حميد، قُبَيْل وفاته بأيّام، مقالة بعنوان "لبنان والموارنة"، وها هي قد نُشِرت في "النهار" يوم ٦ أيّار ۲۰۱۲. ووجّه رسالة بالفرنسيّة إلى البطريرك بشارة بطرس الراعي إثر عودته من تركيّا في آخر آذار ۲۰۱۲. وقد تلاها صاحب الغبطة في العظة التي ألقاها في مأتم المطران حميد يوم ۱۹ نيسان ۲۰۱۲. وله في هذا أيضاً رسالتان أُخرَيان حُرِّرتا بالعربيّة وبخطّ يده، لكنّه لم يرسلْهما إلى البطريرك الراعي، أو لم يتسَنَّ له الوقت كي يرسلهما. وله، أخيراً، مقالة صغيرة كُتِبت بخطّ يده، وفيها تقويم لأداء البطريرك الراعي في سنة.

وختام القول أنّ بين المطران حميد، ذي اليد الراعشة الراجفة، والكلمة رباطاً مقدَّساً لا يعرفه إلاّ من راقب المطران على مهل ومن كثب. فقد كان دوماً خِدن الكلمة والناسك في محرابها، كما كان دوماً الباحث عن الحقيقة التي يرى فيها البداية والنهاية. لذا نرى أنّ غبطة البطريرك أحسن الاختيار حين جعل شعار النعي والمأتم قول بولس الرسول "وضعت فرحي في الحقيقة"..!

النّهار: العدد 24736، 20/5/2012

 

جميع حقوق النشر محفوظة dr.josephelias.com