الدكتور جوزيف الياس

فهرس: صفحة المدخل     سبرة علميّة       ملاحق     صور المؤلفات العامّة     صور الكتب المدرسيّة     مقالات جديدة    للاتصال بنا




سرّ "الطاولة"




ها قد بدأت المباراة، واندفع المتبارون إلى الحَلْبة، فهذا هو الموسم، ومن شهِد السوق باع واشترى. فبعض القوم يقول "دخل المُتَحاوِرون إلى طاولة الحوار، وخرج المُتَحاوِرون من طاولة الحوار"، وبعضٌ ثانٍ يقول "جلس المُتَحاوِرون على طاولة الحوار"، وبعضٌ ثالثٌ يقول "دعاهم الرئيس إلى طاولة الحوار، وانعقدت طاولة الحوار، وانفضَّت طاولة الحوار"، وبعضٌ رابعٌ يتحدَّث عن "جدول أعمال طاولة الحوار"، وعن "مناقشات طاولة الحوار"، وعن "مقرّرات طاولة الحوار"، وعن "توصيات طاولة الحوار أو بيانها الختاميّ"، وبعضٌ خامسٌ يرى في "طاولة الحوار" خشبة خلاص للبنانيّين. وهكذا يتعطّل كلُّ حديثٍ، فما يبقى غير حديث "طاولة الحوار". فأيّ سحر في طاولة الحوار هذه؟ وأيّ سرّ يكمن فيها؟

واندفع القوم في الغلوّ اللبنانيّ الذي يدعوه بعضنا "تَشَدُّقاً" أو "تَحَذلُقاً"، فالتبس عليهم الأمر التباساً شديداً. فحين اعتلى الأمين العامّ السابق لجامعة الدول العربيّة عَمْرو موسى، ذاتَ يومٍ (قبل بضع سنوات)، مِنصَّة الإعلام في القصر الجمهوريّ، وهو يُثني على الحوار، ويحثُّ السياسيّين اللبنانيّين على الجلوس إلى طاولة الحوار، اندفعت إحدى العاملات في المرئيّ والمسموع إلى القول إنّ موسى يدعو السياسيّين اللبنانيّين إلى "مائدة الحوار"، وزادت عليها أخرى في "التَّفاصُحِ"، حين قالت، بعد ساعات قليلة، إنّه يدعو السياسيّين اللبنانيّين إلى "مأدُبة الحوار".

كلّ هذا عبث بعبث، وثرثرة سياسيّة وإعلاميّة اختصّ بها اللبنانيّ دون غيره من الناس. وإذا كان السياسيّ اللبنانيّ ثرثاراً، فلِمَ يُطلَب إلى الإعلاميّ أن يكون مقتصداً قصير اللسان؟ فالمدعوّون، يا قوم، إلى "طاولتكم" هذه هم هيئة حوار، وكلّ اجتماع يُدعَوْن إليه هو جلسة حوار. فلا شأنَ للطاولة في هذا، ولا مسوِّغَ لذكرها، فما هي غير قطعة أثاث من خشب يجلس المُتحاوِرونَ حولها أو إليها، وليس عليها كما يقول بعضكم. وبهذا يكون الاجتماع الذي عُقِد في ۱۱ حزيران ۲۰۱۲ "جلسة الحوار الأولى"، والاجتماع الذي عُقِد في ۲۵ حزيران ۲۰۱۲ "جلسة الحوار الثانية"، وهكذا دوالَيْك!


النّهار: العدد 24784، 9/7/2012

 

جميع حقوق النشر محفوظة dr.josephelias.com