دكتور جوزيف الياس

الصفحة الرئيسية     سبرة علمية      مقالات صحفية     ملحق     كتب    للاتصال بنا

ملحق ثالث

البحث الذي قدم في المؤتمر الذي دعا إليه المجلس العربي للطفولة والتنمية, وعقد في القاهرة يوم ١٧ شباط ٢٠٠٧, تحت عنوان " لغة الطفل العربي في عصر العولمة"

لغة الطفل العربيّ

مخاطر الواقع وتحدّيات النهوض

(النموذج اللبنانيّ)

 

      تمهيد

ما الذي يصنع لغة الطفل العربيّ؟ ومّن يشرف على صناعتها وتكوينها ونموّها؟ وكيف يتمّ ذلك؟ ومن ثمّ، مَن يضع المناهج التربويّة، وبخاصّة منهج اللغة العربيّة؟ ومَن يؤلّف الكتاب المدرسيّ، وبخاصّة كتاب اللغة العربيّة؟ ومَن يعلّم أو يدرّس مادّة اللغة العربيّة في المدرسة؟

 

هذه الأسئلة وأسئلة اخرى كثيرة تضجّ في رأس الكاتب إذ يكتب، وفي رأس القارىء حين يقرأ قراءة المتأمّل، مثلما تضجّ في رأس أيّ باحث وتشغله. فثمّة خلفيّات كثيرة تنبثق منها مجموعة عوامل لها أثرها المباشر، أي القريب واليوميّ، في صناعة لغة الطفل العربيّ. بيد أنّ الخلفيّة الأهمّ في تكوين لغة الطفل العربيّ هي الخلفيّة المنهجيّة المدروسة أو المنظّمة، ونعني بها الخلفيّة التربويّة.

 

يبدأ الطفل، وهو يحبو، النطق بأجزاء الكلمة أي بالحروف، ثمّ النطق بكلمات صوتيّة، أو ذات حروف صائتة ومخارج بسيطة. وما إن يستوي واقفاً حتى يستوي له بعض اللفظ من مفردات أوّليّة بسيطة، فينطق بها فرِحاً، ويفرح به أهله وذووه. لكنّ الفرق كبير والبون شاسع بين الطفل العربيّ والطفل الأجنبيّ في الإقبال على اللغة الأولى، وفي التدرّب على استعمالها والنطق بها. فالطفل الأجنبيّ ينمو على النطق بلغة هي التي سيقرأ ويكتب، أمّا الطفل العربيّ فينمو على النطق بلغة هي غير التي سيقرأ ويكتب. فتلك حيّة وهذه شبه ميتة. تلك للأذن تتلقّفها بالسّماع اليوميّ، وهذه للتلقين على مقعد الدراسة فقط. تلك أُحاديّة وهذه ثنائيّة قاسية وصعبة على لسان الطفل العربيّ وعلى ذهنه واستعداداته، بل هي تقتضيه من الوقت أضعاف ما تقتضي تلك الطفل الأجنبيّ.

 

ويمضي الطفل إلى ما يُسمّى "رياض الأطفال"، أي ما قبل مراحل التعليم العامّ، ليكون بين أيدي مربّيات حاضنات أو أمّهات تربويّات هنّ له بمنزلة الأمّ. وهناك يتعلّم النطق بكلمات مفردة متقطّعة، كما يتعلّم بعض الأغاني والأناشيد الطفوليّة والوطنيّة، ومعظمها في الأمّ والوطن. وها هو، بعد ذلك، يحمل كرّاساً يدخل بوساطته محراب العربيّة الفصحى، ويرقى بوساطته سلّم اللغة الأمّ درجة درجة. وهكذا لا يمضي غير زمن قصير حتّى يكون له مخزون أوّليّ من عشرات الألفاظ.

 

لغة الطفل العربيّ الراهنة

إذا ما قورن الطفل العربيّ بالطفل الأجنبيّ، وقورِنت بداية ذاك ببداية هذا، ثبت لك أنّ الأوّل يعاني مشكلتين كبريَيْنِ لا يعرفهما الطفل الأجنبيّ، وبخاصّة الطفل الغربيّ: أولاهما هي مشكلته مع لغة أمّ ولغة رسميّة، أو لغة تعلّم وتعليم، لكنّها بالنسبة إليه لغة غريبة كادت تكون شبه ميتة. وثانيتهما هي مشكلته مع لغة معرَبة، يلازمه إعرابها منذ يومه الأوّل على مقعد الدراسة في السنة الأولى من مرحلة التعليم الابتدائيّ، وهو يقرأ "ذهبَ طارقٌ إلى المدرسةِ، وعادَتْ سميرةُ من الحديقةِ، وأكلَ مازنٌ تُفّاحةً ... إلخ".

 

سألنا في البدايةِ، أو تساءلنا: "مَن يُشرف على صناعة لغة الطفل العربيّ؟". الإشراف الأساسيّ على صناعة لغة الطفل العربيّ هذه، خلافاً للغة الطفل الأجنبيّ، يعود، في بدايته، إلى المؤسّسة التربويّة بكلّ أركانها. فإذا ما كان للبيت أو الأسرة من دور في صناعة لغة الطفل الأجنبيّ، فلا دور يكاد يذكر للبيت أو الأسرة في لغة الطفل العربيّ بسبب ثنائيّة اللغة بين محكيّة وفُصحى. فالبداية في البيت هي للّغة المحكيّة التي دعوناها "اللغة المُرضِع". وبذلك خالفنا مقولة بعض الأكاديميّين إذ قالوا إنّ اللغة المحكيّة هي الأمّ. فاللغة الأمّ، في رأينا، هي العربيّة الفصحى، واللهجات المحكيّة أو العامّيّة ما هنّ إلاّ مرضعات.

 

فما هي أركان الهرم التربويّ، أو المؤسّسة التربويّة بكلّ اختصاصاتها وإمكاناتها ووظائفها؟ هذه الأركان هي المناهج التربويّة أوّلاً، والكتاب المدرسيّ ثانياً، والمربّي أو معلّم اللغة العربيّة ثالثاً. ولمّا كانت اليد البشريّة وراء هذه الأركان التربويّة كلّها وهذه العناصر التربويّة كلّها، أمكنك ذكر واضع المنهج أوّلاً، ومؤلّف الكتاب المدرسيّ (كتاب اللغة العربيّة) ثانياً، ومعلّم اللغة العربيّة ثالثاً. فإن توافرت القدرة والكفاءة للفرقاء الثلاثة، توافر بعض الارتقاء بلغة الطفل وإلاّ فلا. ومع الأركان الثلاثة هذه، لا نكران لما يمكن أن يكون من دور إيجابيّ لإدارة المؤسّسة التربويّة، إذا كانت حكيمة في إدارة العمليّة التربويّة، وفي جعل الطفل يتقبّل لغته الأمّ. وقد ثبت لنا، بعد الاختبار، أنّ أركان العمليّة التربويّة الثلاثة (وربّما الأربعة) تسير في خطّ تنازليّ وليس تصاعديّاً، لأنّها تصير، يوماً بعد يوم، إلى حالٍ من الضعف، وهي في انهيار مستمرّ، وفي تراجع يوميّ من سيِّىء إلى أسوأ. ففي المؤسّسة التربويّة المعاصرة، وبخاصّة في السنين الأخيرة، فقر وعري وبؤس. فواضعو المناهج فقراء، لذا جاءت مناهجهم فقيرة، ومؤلّفو الكتب المدرسيّة فقراء، لذا جاءت كتبهم فقيرة، ومعلّمو اللغة العربيّة فقراء، لأنّ معظمهم لا يقرأ العربيّة قراءة صحيحة ولا يكتبها كتابة صحيحة، لذا كان عطاؤهم محدوداً، وجاءت نتائج عملهم فقيرة. وليس صعباً عليك أن تعمّم، إذا شئت، فتقول إنّه زمن الجدب والقحط، زمن التقهقر اللغويّ، وإنّ مسيرة الانهيار مستمرّة، والآتي أعظم. فمن منّا يستطيع أن ينكر هذا الفقر على المستويات كلّها؟

 

لا شك في أنّ النقلة في التربية من العربيّة الفصحى إلى اللهجات المحكيّة موجودة، وإن تكن بطيئة يشقّ عليك أن تلمسها أو تتحسّسها في الحياة اليوميّة. فلمَ هذا؟ وإلى أين نمضي بلغة الضاد؟ وإلى أين نحن صائرون؟ فتلميذ الأمس، عندنا في لبنان، كان في مدرسة "تحت السنديانة" (مدرسة الهواء الطلق تحت شجرة السنديان في القرى) أفصح نطقاً، وأبلغ بياناً، وأسلس ديباجة من تلميذ أيّ معهد حديث في لبنان مهما علا شأنه، وربّما كان خيراً من طالب الجامعة في أيّامنا هذه!

 

الطفل والعربيّة الفصحى (أُنموذج لبنان)

الطفل العربيّ، كما هو اليوم وكما نراه في لبنان، عاجز عن قراءة العربيّة الفصحى، عاجز عن التعبير بالعربيّة الفصحى، عاجز عن كتابة العربيّة الفصحى. وهو أعجز من أبيه يوم كان هذا في مثل سنّه، وربّما كان أبوه في تلمذته أعجز من جدّه يوم كان الجدّ في السنّ نفسها. وها هي العربيّة الفصحى قد بدات تُطبَع، في أيّامنا هذه، باللّون المحلّيّ، أو الطابع المحلّيّ الخاصّ بكلّ بلد عربيّ، فداخلتها ألفاظ محلّيّة وأساليب ذات سمة خاصّة بالبلد نفسه. ونحن، في ما نكتب هنا، نستلهم التجربة اللبنانيّة والواقع اللبنانيّ في تقبُّل العربيّة وتعلّمها. وهذا الكلام، أو هذه الأحكام التي نطلق تنطبق على التعليم بعامّة، أي من المنهج التربويّ إلى الكتاب المدرسيّ، فإلى المربّي أو المعلّم. أضف إلى ذلك أنّك قد تقع على بعض من اللون المحلّيّ في القصص المدرسيّ الذي يؤلّفه كتّاب محلّيّون جُلّهم من مدرّسي اللغة العربيّة. وعندنا في لبنان الكثير من هذا، بل عندنا في لبنان الكثير الذي نصدّره إلى العالم العربيّ.

 

ونحن هنا، في هذا الجانب من البحث، سنركّز على العربيّة الفصحى في لبنان، وعلى لغة الطفل اللبنانيّ، كما نتلمّسها في المنهج التربويّ وفي الكتاب المدرسيّ والقصص المدرسيّ.

 

أ- منهج اللغة العربيّة في لبنان:

صدرت المناهج التربويّة الجديدة في لبنان سنة ١٩٩٧، وبدأ العمل بها في مطلع السنة الدراسيّة ١٩٩٨- ١٩٩٩. وقد روعِيَ في وضع هذه المناهج التسهيل والتقريب من الأفهام، فنجم عن ذلك إلغاء بعض دروس الصرف والنحو، والإقلال من عدد حصص اللغة العربيّة في المرحلة الابتدائيّة، فضلاً عن مجانبة الإعراب ما أمكن، في هذه المرحلة، فكان هذا لصالح اللغتين الأجنبيّتين الأولى والثانية. فأنت حيثما نظرت في هذا المنهج وتأمّلت دقائقه وتفاصيله، لمست التراجع في مادّته ومحتواه عمّا كان عليه في الماضي، ووقعتَ فيه على مزيد من الضعف والفقر والتقهقر اللغويّ. وربّما وقعت فيه على شيء من الاستخفاف باللغة العربيّة. ومن علامات ذلك، أنّ حروف النصب في العربيّة باتت، في المرحلة الابتدائيّة، ثلاثة بعد حذف "إذن"، وأنّ حروف الجزم باتت، في المرحلة نفسها، ثلاثة بعد حذف "لمّا". وحتى نهاية السنة الرابعة الابتدائيّة، لا يتعلّم الطفل في لبنان من الإعراب النحويّ، بحسب هذا المنهج، غير الفعل (الماضي والمضارع والأمر)، والفاعل، والمفعول به، والنعت، والمجرور بالحرف. وهو، فضلاً عن ذلك، يُحرَم معرفة الضمير المستتر طوال المرحلة الابتدائيّة، فما يدرسه حتّى السنة الثامنة (المرحلة الإعداديّة أو المتوسّطة). أمّا حصص تعليم العربيّة في لبنان، فقد تراجعت في السنوات الثلاث الأولى من ثماني حصص، في المنهج القديم، إلى سبع، وتراجعت في السنوات الثلاث التي تلي (الرابعة والخامسة والسادسة) من سبع حصص إلى ستّ.

 

ب- الكتاب المدرسيّ في لبنان:

تأليف الكتاب المدرسيّ في لبنان حرّ، فثمّة الكتاب المدرسيّ الوطني الذي تنشره وزارة التربية بواسطة "المركز التربويّ للبحوث والإنماء"، وثمّة كتاب خاصّ يصدر عن دور النشر اللبنانيّة. ودور النشر اللبنانيّة التي لها إسهام في تأليف الكتاب المدرسيّ كثيرة، ولها نقابة خاصّة بها. فبين أيدينا، في لبنان، ما لا يقلّ عن عشر سلاسل من كتب اللغة العربيّة التي صدرت عن دور النشر الخاصّة، وفقاً للمناهج الجديدة التي صدرت سنة ١٩٩٧، وبدأ تطبيقها سنة ١٩٩٨. وقد كان لنا إسهام في مشروع الكتاب المدرسيّ بسلسلة كتب كاملة صدرت عن دار العلم للملايين (للمراحل الثلاث: الابتدائيّة والإعداديّة والثانويّة). وفي هذا الخليط من سلاسل الكتب المدرسيّة، هناك الغثّ وهناك السمين. وليس الكتاب المدرسيّ الوطنيّ الذي صدر عن وزارة التربية أفضل الكتب المدرسيّة في لبنان وأسلمها لغة. فقد وقعنا فيه – نعني كتاب اللغة – على ضعف في التأليف، وركاكة في الأسلوب، وسقط في اللغة. وربّما كانت بعض السلاسل المدرسيّة الخاصّة خيراً منه، كما سنرى.

 

وقد اطّلعنا على معظم الكتب المدرسيّة، أو كتب اللغة العربيّة المعتمدة في لبنان، فكان لنا عليها ملاحظات كثيرة ومآخذ كثيرة. وممّا سجّلنا على كتاب اللغة العربيّة المعتمد في المرحلة الابتدائيّة في مدارس لبنان نذكر ما يلي:

 

      ١- حبكة التأليف في الكتاب المدرسيّ في لبنان ضعيفة، لأنّ تأليف هذا الكتاب محكوم غالباً بالفقر والتسرّع، ولأنّه لا يخضع لإشراف صارم، ولا يُراجَع مراجعة دقيقة. فالغلط في هذا الكتاب كثير، والسقط فيه كثير، ولغة التأليف فقيرة، لأنّ معظم مؤلّفي الكتب المدرسيّة من مدرّسي اللغة العربيّة، وهؤلاء يشكون ضعفاً لغويّاً عامّاً.

 

      ٢- في معظم الكتب المدرسيّة في لبنان، لا تقع على تمييز دقيق بين همزة الوصل وهمزة القطع، فالغلبة للأخيرة دائماً. وفي معظم النصوص، تُرسَم همزة الوصل همزة قطع، وهكذا تُقرأ، فيُلفَظ بها على أنّها همزة قطع. وقد تعوّد الكثير من اللبنانيين أن يلفظ بهمزة "اَل" التعريف في سياق الكلام، أي وهو يقرأ، همزة مقطوعة، كأن يقول "عاد أَلمدير إلى أَلمكتب، ودعا أَلموظَّف أَلمسؤول عن أَلغلط ...". وأَكثر ما يكون هذا في مصدر الخماسيّ والسداسيّ، إذ يُقال "الإِقتصاد والإِبتعاد والإِعتذار والإِستعداد والإِستغفار ..."

 

       ٣- كثرت في الكتب المدرسيّة، المعتمدة في المرحلة الابتدائيّة في لبنان، الألفاظ العامّيّة المتداوَلة في اللغة المحكيّة. وهي ألفاظ مستمدّة من صميم المخزون الشعبيّ المتداوَل في البيئات العامّيّة اللبنانيّة. وبعض هذه الألفاظ عُمِّم فعَمَّ وشاع تداوله، حتّى إنّه دخل المعاجم المدرسيّة، وخاله الناس من فصيح اللفظ العربيّ. ونذكر من هذا النوع من الألفاظ: " القفير، البزّاق، الصوص، الكنزة، التُّرابة، الإضبارة، الدارة، العِرزال، الصفّ، الجَلّ، الطابة، البُقجة، الأَخِصّائيّ، المِشوار، المِرسال، المَظروف، الكِباش، المحرمة، العجقة، وضَّبَ، يَطالُ...".

 

      ٤- شاعت في الكتب المدرسيّة، المعتمدة في المرحلة الابتدائيّة في لبنان، الألفاظ الأجنبيّة المعرَّبة، حتى لو كان لها بديل في العربيّة. وهذا الاستعمال مردّه إلى الخليط اللغويّ المتداول في الحياة اليوميّة اللبنانيّة، وبخاصّة في الشارع البيروتيّ. فاللبنانيّ يخلط في كلامه اليوميّ العربيّة (المحكيّة طبعاً) بالفرنسيّة والإنكليزيّة، وبأسلوب كاد يكون عفويّاً. ومن الألفاظ الأجنبيّة التي شاع استعمالها في نصّ القراءة: " الباص، البوسطة، التلفون، التلفزيون، الأوتوكار، الأوتوبيس، الفاكس، التلغراف، الكمبيوتر، البنطلون، الجاكيت، الصالون، الصالة، الكنبة، الميكروب، الفيروس، الكربون، أكسيد الكربون، الباطون، البترول، الدلفين، الديكور، البلكون، السندويش، الأجندة، الراديو، الموتور، الدونم، الهكتار، الأوتوستراد، الكادر، الكابتن، الجنرال ...".

 

٥- علامات الوقف أو الترقيم هي، في الكتاب المدرسيّ اللبنانيّ، مشوّهة غالباً. فمعظم المؤلّفين لا يُحسِن رسمها حيث يجب أن تكون، بل معظمهم عاجز عن معرفة غرضها وشروط استعمالها، وعن التمييز بينها. ويؤسفنا أن نقول إنّ معلّمي اللغة العربيّة جميعاً عاجزون عن ضبطها، وعن معرفة موقع كلّ منها. فما أسهل أن تحلّ هذه العلامة محلّ تلك! وأكثر ما يكون الخلط بين ثلاث من علامات الوقف هي "الفاصلة، والفاصلة المنقوطة، والنقطة". 

 

 

جـ- القصص المدرسيّ في لبنان:

القصص المدرسيّ في لبنان كثير، ومعظمه موجّه إلى الأطفال الصغار في شكل سلاسل تَعدّ الواحدة منها غالباً ستّ قصص، أو عشراً، أو اثنتي عشرة. وقلّ أن زادت على هذا العدد أو نقصت عنه. وكثرة القصص المدرسيّ في لبنان، ولاسيّما قصص الأطفال، مردّها إلى كثرة دور النشر اللبنانيّة؛ ففي بيروت وحدها يتمركز نحو ثلاث مئة دار نشر. وللقصص اللبنانيّ سوق رائجة، فمعظمه يُوزّع في البلدان العربيّة، وخصوصاً في دول الخليج ودول الشمال الأفريقيّ. لذا أمكن القول إنّ ما يصدر في بيروت، من القصص المدرسيّ، في السنة الواحدة مئات السلاسل التي تَعدّ آلاف العناوين. ومعظم هذا القصص موجّه إلى الأطفال، وفيه الغثّ والسمين، وبعضه يُقرَأ وبعضه لا يُقرَأ. وأبرز مشكلات هذا القصص أنّ بعض المؤلّفين (أو المترجمين كما سنرى) مغامر طارىء على الكتابة والتأليف.

 

وهذا القصص نوعان: قصص مؤلَّف وقصص مترجَم.

 

١- القصص المدرسيّ المؤلَّف: دخل ميدان تأليف القصص المدرسيّ في لبنان مغامرون لا صلة لهم بالكتابة والتأليف. وهؤلاء، في معظمهم، طارئون على الكتابة القصصيّة وعلى التأليف المدرسيّ، وجلُّهم من المعلّمين أو المدرّسين الذين تستكتبهم بعض دور النشر طمعاً في سوقهم المدرسيّة، أي طمعاً في اعتماد منشوراتها القصصيّة في المؤسّسات التربويّة التي يعملون فيها. وفي القصص المدرسيّ هذا، ضعف، بل فقر لغويّ قد يبلغ حدّ السقط أو الركاكة في بعض السلاسل أو بعض الكتب، وفيه حشو، وتكرار، وتقديم، وتأخير، وعبث ببناء الجملة، وتشويه للجملة والعبارة معاً، وفيه أيضاً ألفاظ وصيغ عامّيّة، وألفاظ أجنبيّة معرَّبة. ويمكنك أخيراً أن تختصر القول في هذا القصص بأنّ فيه الكثير ممّا يسيء إلى لغة الضاد، والكثير ممّا لا صلة له بلغة الضاد.

 

٢- القصص المدرسيّ المترجَم: القصص المدرسيّ المترجم كثير في لبنان، ومعظمه موجّه إلى الطفل، ويدخل في باب "أدب الأطفال". وقد لاحظنا أنّ معظم هذا القصص منقول عن الإنكليزيّة أوّلاً، ثمّ عن الفرنسيّة ثانياً. وفي هذا النوع من القصص، يبدو لك بوضوح سوء الترجمة، كما بدا لك سوء التأليف في القصص المؤلّف. فالنقل، في هذا القصص، غالباً نقل حرفيّ يشوّه النصّ المنقول أو المترجَم. وفي هذا النقل، يكثر ابتداء الجملة بالاسم بدل الفعل، والصدارة غالباً لشبه الجملة، كما يكثر التقديم والتأخير، وتكاد تنعدم الروابط بين الجمل، لأنّ الكثير منها يبدأ بحرف التأكيد "إنّ". وفضلاً عن كلّ ما سبق، يبدو لك الفقر اللغويّ واضحاً في الألفاظ والتراكيب والصيغ.

تكثر الألفاظ الأجنبيّة المعرّبة في هذا النوع من القصص، وقد أحصينا، في قصّة واحدة مترجمة، الألفاظ التالية:

"الباص، الأوتوبيس، البطريق، الدلفين، الفقمة، الراكون، السمندر، الميكروب، البكتيريا، الفيروس، التلسكوب، الباطون، البترول، الزنك، البرومين، البنطلون، الإنزيم، الفوتوغرافيا، اللاّفا، تسونامي، ديكور، كاتشاب، سندويش، سوبر ماركت، الكابين والكابينة والكابينات، الميكروفون، الميكروسكوب، الكربون، أكسيد الكربون، الكلوروفيل، الغلوغوز، الكربوهيدرات، البروتين، البيولوجيا، الجيولوجيا، السردين، التروات، الشفنين، السلمون، سمك الجمبري، سمك التونة، قِرش الماكو، الأنكليس، الفايل، الكادر، البروغرام، البلاج، الأتوستراد، التابلو، التلفون".

 

الطفل بين الفصحى والمحكيّة

معاناة الطفل العربيّ معاناة كبيرة، لأنّ اللغة التي يقرأ في الكتاب ويكتب على الورق غير اللغة التي تتداولها الأسرة في ما بينها، وغير اللغة التي يحاور بها أترابه. وسنعرض، في ما يلي، لهذا الواقع بشيء من التفصيل:

 

أ- الثنائيّة اللغويّة:

قلنا إنّ مشكلة الطفل العربيّ الأولى والكبرى هي ثنائيّة اللغة العربيّة بين عامّيّة أو محكيّة يرضعها مع لبن الأمومة، وينطق بها وهو يحبو، وفصحى يُلَقَّنها على مقعد الدراسة ويقرأها في الكتاب. وهذه مشكلته الأولى والكبرى قبل أن يبدأ تعلّم اللغة الأجنبيّة؛ فمتى بدأ تعلّم هذه بات أمام ثنائيّة لغويّة جديدة على مقعد الدراسة. والطفل اللبنانيّ يعاني هذه الثنائيّة مذ يصبح الكتاب في يده، أي في الروضة الثانية التي تسبق السنة الأولى من التعليم الابتدائي، وإلاّ ففي السنة الأولى.

 

وتزداد الصعوبة حين ينتقل الطفل إلى مرحلة التفكير، وهي مرحلة لا يواجهها الطفل في المرحلة الابتدائيّة إلاّ حين يصبح لزاماً عليه أن يفكّر. وبداية التفكير الجدّيّ تكون في معالجة موضوع الإنشاء أو التعبير الكتابيّ. فموضوع التعبير الكتابيّ هو أوّل بيت يخطّط له الطفل ويبنيه بناءً ذهنيّاً. فعليه أن يفكّر جيّداً، وأن يعرف كيف يقدّم لموضوعه، وكيف يغوص في صلب هذا الموضوع، ثمّ كيف يختمه. وموضوعات هذه المرحلة هي موضوعات وصفيّة غالباً. فهل يفكّر الطفل، وهو يكتب موضوع التعبير، بالعربيّة الفصحى؟ الطفل العربيّ يفكّر وتفكيره على قدر مستواه، لكنّه، حين يجب أن يفكّر، يفكّر بلغته اليوميّة أي باللغة التي يتكلّم. فلكلّ منّا مستوى من التفكير ولغة يفكّر بوساطتها. وهذه مشكلة ترهق الطفل العربيّ، وتقتضي منه جهداً مضاعفاً ووقتاً مضاعفاً؛ فهو يفكّر باللغة العامّيّة أو المحكيّة، ويترجم إلى لغة أخرى هي الفصحى، لذا عددناه مترجماً بالفطرة.

 

ب- زحف العامّيّة إلى مواقع الفصحى:

الأخطار التي تُحدِق بالعربيّة الفصحى كثيرة، وهي تزداد يوماً بعد يوم، وكلّ منها يتنامى ويقوى يوماً بعد آخر، وأوّل المتأثّرين بهذه الأخطار هو الطفل العربيّ. وأبرز الأخطار الداهمة والمؤثّرة في لغة الطفل هو زحف اللهجات المحكيّة أو العامّيّات إلى مواقع الفصحى. فاللهجة المحكيّة أو العامّيّة موجودة في كلّ بلد عربيّ، وهذا أمر معروف لا جدّة فيه؛ لكنّ الجدّة والخطورة هما في زحف العامّيّة إلى مواقع الفصحى. فاين يتجلّى ذلك في حياة الطفل ولغة الطفل؟ أكثر ما يبدو هذا في المنزل أوّلاً، حيث لا يسمع الطفل أحداً من الأهل يتكلّم أمامه العربيّة الفصحى، أو يقرأ أمامه نصّاً بالعربيّة الفصحى. ويبدو هذا ثانياً في الكتاب المدرسيّ، ككتاب القراءة مثلاً الذي زحفت إليه الألفاظ والصيَغ العامّيّة والشّعبيّة الموروثة، وكالقصص المدرسيّ الذي داخلته ألفاظ العامّة، والذي قرأنا فيه لكاتب معروف في لبنان والعالم العربيّ قوله (في إحدى قصص الأطفال) "أكلتُ الكوسا حتى انفزرتُ". ويبدو هذا ثالثاً في لغة المعلّم أو المدرّس الذي لا يتكلّم بغير العامّيّة، والذي يشرح درس اللغة العربيّة بالعامّيّة، وأحياناً بفصحى شوهاء. ومن علامات هذا الزحف البطيء وغير المنظور، تدنّي المستوى اللغويّ والتعبيريّ في كلّ شيء، وعلى كلّ الصعُد، حتّى على ألسنة أهل الاختصاص.

 

العربيّة واللغات الأجنبيّة

فضلاً عن المواجهة بين الفصحى والعامّيّة، ثمّة معركة أخرى فُرِض على العربيّة الفصحى أن تخوضها في مواجهة اللغات الأجنبيّة. فثمّة ضغوط أخرى تتعرّض لها الفصحى في المدرسة: أوّلها تعليم اللغات الأجنبيّة إلى جانب العربيّة منذ الطفولة وفي مستوى واحد. وثانيها تعليم العلوم بلغة أجنبيّة، وفي هذا ما يخدم اللغة الأجنبيّة ويسيء إلى لغة الضاد. وثالثها هجمة العولمة واندفاعة اللغة الإنكليزيّة التي باتت لها السيادة في قاعات الدرس في عدد من الأقطار العربيّة، حتّى كادت تصبح اللغة الأولى.

 

أ- تعليم اللغات الأجنبيّة:

يُلَقَّن الطفل في لبنان، وهو مازال في مرحلة الروضة، لغة أجنبيّة واحدة. وما إن يصبح على مقعد الدراسة، في السنة الأولى من التعليم الابتدائيّ، حتّى تصبح الفرنسيّة أو الإنكليزيّة لغة أساسيّة تُدرَّس إلى جانب العربيّة، وبعد سنتين أو ثلاث، يكون ثمّة لغة أجنبيّة ثانية. واللغتان الأجنبيّتان اللتان تُدرَّسان في كلّ مراحل التعليم في لبنان هما الفرنسيّة والإنكليزيّة.

 

ولمّا صدرت المناهج التربويّة الجديدة في لبنان سنة ١٩٩٧، أقرّت تعليم لغتين أجنبيَّتَين في المرحلة الابتدائيّة، وحدّدت حصصاً تدريسيّة لكلّ منها. وقد كان ذلك على حساب اللغة العربيّة، إذ أُنقِص عدد حصص هذه المادّة عمّا كان عليه في المناهج السابقة، فبات لها في السنوات الثلاث الأولى سبع حصص في الأسبوع، وفي السنوات الثلاث التي تلي، أي الرابعة والخامسة والسادسة، ستّ حصص في الأسبوع. وخُصَّت اللغة الأجنبيّة الأولى بمثل هذا العدد؛ وهكذا تساوت اللغة الأمّ واللغة الأجنبيّة الأولى في عدد حصص التعليم. أمّا اللغة الأجنبيّة الثانية فلها في هذا المنهج ثلاث حصص أسبوعيّة. وقد كتبنا إلى وزارة التربية في لبنان، ونشرنا مقالة في صحيفة "النّهار" البيروتيّة، طالبنا فيها بأن يكون عدد حصص مادّة اللغة العربيّة مساوياً لعدد حصص تدريس اللغتين الأجنبيَّتَين مجتمعتَيْن، لأنّه لا يجوز، في رأينا، أن يُدرَّس في المرحلة الابتدائيّة أكثر من لغة أجنبيّة واحدة، ولا يجوز، تالياً، أن تكون الحصص المخصَّصة للغة الأجنبيّة الثانية على حساب اللغة الأمّ.

 

ب- تدريس العلوم باللغة الأجنبيّة:

تركت المناهج التربويّة الجديدة في لبنان للتعليم الخاصّ الحرّيّة في اعتماد لغة تدريس العلوم، وخيَّرته بين العربيّة واللغة الأجنبيّة الأولى. بيد أنّ الكتب المدرسيّة، أي كتب العلوم، وُضِعت كلّها باللغة الأجنبيّة، وباتت العلوم كلّها تُدَرَّس بالفرنسيّة أو الإنكليزيّة. وهكذا خسر التلميذ في لبنان دراسة الألفاظ والمصطلحات العلميّة بالعربيّة، وترك هذا أثراً سلبيّاً في قاموس مفرداته ومعجم ألفاظه، فخسر اللفظ العربيّ المستعمل في الدلالة على أعضاء جسم الإنسان وعلى وظائفها، وفي صنوف الحيوان والطير والنبات. وألفاظ العلوم هذه درسناها صغاراً في كتاب يُدعى "دروس الأشياء". والألفاظ العلميّة التي ترد في كتب العلوم كلّها ليست بالقليلة، فقد تبلغ مئات الكلمات. ومن المؤسف أنّها باتت وقفاً على المعجم فقط وملك المعجم وحده. لذا كان تدريس العلوم باللغة الأجنبيّة عامل فقر للطفل العربيّ، وخسارة كبرى تترتّب على مخزونه اللغويّ. وحسبنا مثالاً المعلومة المتداوَلة بين المعلّمين في لبنان وفي الكتاب المدرسيّ أو كتب الأطفال، وهي أنّ عضو التنفّس عند السمك هو الخياشيم التي مفردها الخيشوم، والخيشوم هو الأنف. وقد جهل الجميع أن عضو التنفّس عن السمك هو "الغَلاصِم" التي مفردها "الغلصَمَة".

 

جـ- العولمة واندفاعة الإنكليزيّة:

"العولمة"، هذا المصطلح الغربيب، هو مصدر منحوت على وزن "فَعلَلَة" من فعل لا وجود له في لغة الضاد، ولا ذكر له في معجم قديم أو حديث، وهو الرباعيّ "عَولَمَ" على وزن "فَعلَلَ" أو "فَوعَلَ". والعولمة اصطلاح عجيب يزحف بسرعة إلى عقولنا وقلوبنا وجيوبنا وحياتنا اليوميّة. والعولمة أيضاً هي العالميّة السريعة المندفعة، بل هي العالميّة الهوجاء أو العالميّة المجنونة التي وُجِدت أصلاً لتكون في خدمة اللغة الإنكليزيّة. فهي "الجرّافة" التي تجرف الأتربة والصخور، وكاسحة الألغام أو كاسحة الثلج والجليد التي تجرف وتكسح كلّ ما يعوق تقدّم الإنكليزيّة. فكلّما تقدّمت العولمة تقدّمت معها اللغة الإنكليزيّة، وكلّما اندفعت العولمة اندفعت معها اللغة الإنكليزيّة، ومتى عمَّت العولمة فقلْ وقتها إنّ الإنكليزيّة عمّت وسادت، لأنّ تعميم العولمة يعني أن تصبح الإنكليزيّة لغة العصر وسيّدة اللغات. وها هي الإنكليزيّة تواكب العولمة في حقل الاتّصالات، وتندفع في عالمنا العربيّ اندفاعة لم يسبق لها مثيل، حتى كادت تكون جنونيّة. وقد رأيناها مندفعة بسرعة فائقة في عدد من الدول العربيّة كدول الخليج العربيّ، حيث باتت لغة الحياة اليوميّة، ورأيناها، في السنين الأخيرة، تخطو خطى لا بأس بها في بلدان "فرنكوفونيّة" كلبنان مثلاً. وهكذا نستنتج أنّ العولمة الحاضرة تؤثّر في العربيّة وفي لغة الطفل العربيّ سلباً، لأنّها تزيحها من درب الإنكليزيّة. فمَن منّا يعلم ما ستؤول إليه الأمور غداً؟ ومَن منّا يعرف المواقع التي ستزحف إليها الإنكليزيّة غداً أو بعد غد، وإن كان ذلك على حساب الهويّة القوميّة؟

 

لغة "تزحل"

صدرت لنا، قبل سنوات، في صحيفة "النّهار" البيروتيّة (١٩/٨/٢٠٠٢) مقالة عنوانها "لغة تزحل". وسبب هذا العنوان ما زال ماثلاً في ذهننا، وما زال يمثّل صورة الخطر على لغة الضاد، لذا بتنا نراه اليوم أبرز من ذي قبل. فالعولمة ووسائل الاتّصال الحديثة، كالإنترنت والهاتف المحمول وما إليهما، أثّرت سلباً في العربيّة بعامّة، وفي اللغة المدرسيّة أو لغة الطفل والتلميذ بخاصّة. وما ذلك إلاّ لأنّ صغارنا باتوا يُمضون الشطر الأكبر من وقتهم أمام الحاسوب، ومعظمهم بات يحمل في يده الهاتف المحمول (الخلويّ) ويرسل عبره الرسائل. لذا رأينا العربيّة، في السنين الأخيرة، تزحل بسرعة كما تزحل التربة في منحدرات لبنان وأوديته. وإذا كانت العربيّة في الماضي تزحل ببطءٍ، أو قليلاً قليلاً في مواجهة اللغة العامّيّة أو اللهجات المحكيّة، فقد ازدادت، في السنين الأخيرة، سرعة زحلها أو انزلاقها في عهد العولمة وزحف الإنكليزيّة بشكل خاصّ.

 

الرقابة الخجولة

نحن نعلم أنّ ثمّة رقابة فاعلة في بعض الدول العربيّة، وأنّ ثمّة تفتيشاً تربوياً عامّاً، وتفتيشاً تربوياً خاصّاً بكلّ مادّة من موادّ التدريس، وفي مقدّمها اللغة العربيّة. إنّما ينبغي ألاّ تقتصر الرقابة على عمل المربّي في قاعة الدرس، وعلى تدريس المادّة فحسب، بل يجب أن تتعدّى ذلك لتطول المنهج التربويّ أوّلاً، والكتاب المدرسيّ المؤلَّف ثانياً، والمعلّم أو مدرّس اللغة العربيّة بعمله وإمكاناته ثالثاً، وليس بما يعمل أو بما يشغل به حصّة الدرس فقط. لكنْ، متى دبّ الضعف اللغويّ في الجسم التعليميّ كلّه، وعمّ الوهن الأسرة العاملة كلّها، فماذا تنتظر من مفتّش أو موجّه تربويّ هو واحد من أفراد هذه الأسرة؟ ولمّا كنت تستطيع القول إنّ الإدارة في العالم العربيّ، ولاسيّما لبنان، تشكو مزيداً من الضعف والفوضى و"التسيُّب"، بعد أن أصبحت رهينة العقائد، سَهُلَ عليك أن تعرف أنّ اختيار الموظّف في أيّ إدارة عربيّة ما عاد يخضع لاعتبارات الجدارة والكفاءة ومعايير القيَم، بل لاعتبارات أخرى باتت معروفة، وأنّ الموظّف الكفء لا مكان له في موقع المسؤوليّة إلاّ نادراً، ولكلّ قاعدة استثناء. فأين هي الرقابة؟ ومَن يراقب مَن؟ لقد فسد بعض النظُمِ الحاكمة، وفسدت معه الإدارة، وفسدت الرقابة والتفتيش وما إليهما، وبات هذا الأخير اسماً بلا مسمّى. فإذا ما قلت هذا في العالم العربيّ بعامّة، فماذا تقول في لبنان الذي فُرِض عليه أن يكون، أحياناً كثيرة، شبه دولة، وأن يكون التفتيش التربويّ فيه مكفوف اليد والبصر واللسان.

 

الفوضى اللغويّة الخلاّقة

إذا كانت الولايات المتّحدة قد اعتمدت، في الشرق الأوسط، سياسة "الفوضى الخلاّقة" أو البنّاءة، فشعراء الحداثة وكتّاب الحداثة (يدعونها الحداثويّة) في لبنان، وتلاميذهم ومُريدوهم قد طبّقوا سياسة الفوضى اللغويّة الخلاّقة، منذ ما يقرب من نصف قرن. فهؤلاء، وهم في معظمهم من الشباب، يكتبون على هواهم، ويبتكرون من جديد اللفظ ما شاؤوا؛ بل قلْ إنّهم قد ابتكروا لغة خاصّة بهم تحكمها معارفهم الضحلة، وأمزجتهم المريضة، ومفاهيمهم "المُسَطَّحَة". ثمّ قالوا لأهل اللغة "نحن اللغويّون فاتبعونا". هؤلاء يبتكرون اللفظ، يشتقّون وينحتون، ونحن نركض وراءهم لاهثين، كي نأخذ درر اللفظ من أفواههم، كما أخذها القدماء من أفواه "طرفة ولبيد وزهير والأعشى والنابغة ...". لقد بلغت فوضى الكتابة في لبنان حدّاً لا مثيل له في بلد عربيّ آخر، وما زال مُدَّعو الحداثة هؤلاء يفرضون أنفسهم بالقوّة على القرّاء اللبنانيّين والعرب. وقد تركت هذه الفوضى اثراً سلبيّاً في التربية، لأنّ مؤلّفي الكتب المدرسيّة يحسبون أنّ هؤلاء أدباء كبار، فيضمِّنون الكتب المدرسيّة بعضاً من نصوصهم، وهم معجبون بما جاء فيها.

 

سُبُل النهوض

ثمّة سبل كثيرة، في رأينا، للنهوض باللغة المدرسيّة، وبلغة الطفل في العالم العربيّ. وقد عرضنا لبعضها في سياق هذا البحث غير مرّة. بيد أنّنا سنعمد هنا إلى التحديد، وسنقترح بإيجاز ما يمكن أن ندعوه خطّة للنهوض بلغة الطفل العربيّ في سنيه الدراسيّة الأولى، أي في المرحلة الابتدائيّة. والعناصر الرئيسة لهذه الخطّة تقوم على ما يلي:

 

١- يجب أن يُعاد النظر في مناهج التعليم بعامّة، وفي منهج اللغة العربيّة بخاصّة. وذلك في محاولة للنهوض بهذا المنهج، والارتقاء به إلى مستوى من القوّة بدلاً من الضعف أو الفقر الذي هو عليه حاضراً في معظم الدول العربيّة، وفي مقدّمها لبنان. وقد عدّدنا عوامل الضعف في متن هذا البحث، فزوال هذه العوامل يعني منهجاً غنيّاً وقويّاً مُعافى. وإعادة النظر في مناهج التعليم الابتدائيّ تعني لنا تحقيق مطلبَيْن اثنَين (وربّما هدفَيْن): أوّلهما أن يُعاد النظر في تدريس العلوم باللغة الأجنبيّة، فيُفرَض تعريبها لما في ذلك من إغناء لقاموس الطفل بالألفاظ والمصطلحات العلميّة. والثاني أن ينصّ المنهج في لبنان على تدريس لغة أجنبيّة واحدة، شرطَ ألاّ يبدأ تلقينها في مرحلة الروضة، أي ما قبل التعليم الابتدائيّ أو الأساسيّ، وإنّما في السنة الأولى من التعليم الأساسيّ أو بعدها؛ وذلك لأسباب نفسيّة وتربويّة واعتبارات وطنيّة، فلا ننسَ أنّ العربيّة هي اللغة الأمّ. وإن كان لا بدّ من تدريس لغة أجنبيّة ثانية، فليكن ذلك في المرحلة الإعداديّة أو المتوسّطة، وهو ما كان عليه الأمر في لبنان في الماضي.

 

٢- يجب أن يُعاد النظر في تأليف الكتاب المدرسيّ في لبنان، وبخاصّة الكتاب المدرسيّ الوطنيّ الذي تُصدره وزارة التربية، فيُعتَمد، في تأليفه ومراجعته وضبطه، على نخبة مختارة لا ترقى إليها الشبهات. ويجب أن يُمنَع في لبنان تأليف الكتاب الخاصّ، ونحن أوّل المتضرّرين من هذا المنع إن أُقِرَّ، لأنّ لنا سلسلة كتب مدرسيّة في مادّة اللغة العربيّة. فإِن لم يُمنَع هذا وجب إخضاعه لراقابة منهجيّة وتربويّة ولغويّة صارمة، شرط أن تتوافر فيمن يراقب المقدرة والكفاءة التربويّة واللغويّة، لا أن يُسنَد ذلك إلى أنصاف جهلة وأشباه أُمِّيّين.

 

٣- كنّا قد نشرنا، قبل عامين، في مجلّة "حوار العرب" (العدد ٤، آذار/مارس ٢٠٠٥)، مقالة حملت عنوان "مدرّس اللغة العربيّة". وفي تلك المقالة، شكونا ضعف معلّم اللغة العربيّة في لبنان والعالم العربيّ، بل شكونا، باختصار كلّيّ، فقره وفقر مَن علّمه في المدرسة قبلاً، ومَن درَّسه في الجامعة، فخرَّجه ودفع به إلينا وإلى المدرسة، ليكون عالة على اللغة العربيّة، وعلى المؤسّسة التربويّة، وعلى الطفل أو التلميذ في آن. وكلّ ما قلناه، في تلك المقالة، في مدرّس اللغة العربيّة، واقترحناه لتحسين مستواه وإمكاناته، يصحّ قوله هنا في ورقة العمل هذه.

 

٤- يجب أن يبادر الغُيُر على لغة الضاد، في كلّ بلد عربيّ، إلى إنشاء رابطة أو جمعيّة يكون غرضها حماية اللغة العربيّة، والدفاع عنها، وتعزيز موقعها في البيت والمدرسة والمجتمع. وربّما كان خيراً من ذلك أن ترعى جامعة الدول العربيّة إنشاء جمعيّة أو مؤسّسة تربويّة – لغويّة، مهمّتها حماية اللغة العربيّة، والدفاع عنها، والتعريف بمزاياها، ورفع مستواها في التعليم، والعمل على تعزيز موقعها في البيت والمجتمع. وقد كانت لنا تجربة متواضعة في هذا الشأن، إذ أسَّسنا وبعضَ الغُيُر على العربيّة، قبل سنة ونيّف، جمعيّة دعوناها "المجلس العالميّ للغة العربيّة"، ومقرّها بيروت.

 

٥- والمقتَرَح الأخير للنهوض بلغة الطفل العربيّ، أو بلغة التلميذ في المدرسة، هو توافر المثاليّة في كلّ مَن يعمل وفي كلّ ما يُعمَل. فالمطلوب هو المثاليّة فيمن يُكلَّف أوّلاً وضع منهج جديد متى حان وقت المنهج الجديد، وفيمن يُكلَّف ثانياً تأليف الكتاب المدرسيّ متى حان وقت التأليف، وفيمن يفتّش ويوجّه ويراقب، وفيمن يعلّم ويدرّس ويربّي. فنحن لو دعَوْنا إلى الرقابة الصارمة، وطُبِّقت هذه بمثاليّة وحزم، لاصطدمنا أخيراً بواقع قاسٍ كالصخر مرير كالعلقم. فلا إصلاح ولا مصلحون، ولا رقابة ولا مراقبون من دون المثاليّة في العمل. ولمّا كان الضعف قد بات عامّاً، كان من الصعب عليك أن تجد المثاليّ المتضلّع من العربيّة، أي من يجمع بين المثاليّة والمقدرة في وقت واحد. بيد أنّ مستوى العربيّة في المدرسة، وفي مراحل التعليم العامّ، بات يستدعي جراحة عاجلة لا بدّ منها، فعسى أن تكون جراحةً ناجحةً!

 

 

خاتمة البحث

 

سنحاول، في ما يلي، أن نختصر مداخلتنا، أو ورقة العمل هذه في أسطر، والأسطر قد يُعبَّر عنها أحياناً بكلمات. فالطفل العربيّ، أوّلاً وآخراً، هو البداية والنهاية في هذا المؤتمر، وهو الأمل والمرتجى. هو مَن له اليوم نعمل، ومَن نحن اليوم في خدمته، قبل أن يُطرَح السؤال ذات يوم : " أما زال لنا طفل عربيّ، أم بات طفلنا أعجميّ اللسان؟". فلا عربيّة فصحى في البيت، ولا "فصحى فصيحة" أو سليمة في المدرسة، والإنكليزيّة بدأت تغزو العربيّة في عقر دارها باسم "العَولَمة". فما العمل إذاً ؟ وإلى  أين نحن ماضون ؟ لا يطمئنّنّ أحد منّا إلى مستوى لغة الطفل في بلاده؛ فإذا كنّا، نحن، قد عرضنا في هذه "المداخلة" لنموذج لبنان، أي للغة الطفل اللبنانيّ في المدرسة، وفي المرحلة الابتدائيّة بشكل خاصّ، فلسنا نحسب أنّ لغة الطفل العربيّ في الأقطار العربيّة الأخرى ستكون أحسن حالاً. ولا مسوّغ هنا لتجاهل الواقع، فالخوف على العربيّة الفصحى موجود، ولولا الخوف هذا لَما أُنشِئت الجمعيّات وعُقِدت المؤتمرات لحماية اللغة العربيّة والدفاع عنها.

 

كلّ ما قلنا ونقول في هذا المؤتمر يصبّ في قناة واحدة، أو في مجرى واحد، وهو خدمة الطفل العربيّ للحفاظ على لغته الأمّ أوّلاً، والحفاظ على لسانه عربيّاً سليم النطق ثانياً، من دون أن ننفي كلّ أثر للحداثة والعالميّة الجديدة (العَولَمة). فتفاعل الحضارات واقع ماثل أمام أعيننا في كلّ لحظة، وغيرتنا على العربيّة الفصحى، ومقولتنا في الدفاع عنها، لا تنفيان حاجتنا إلى تطويرها لتقبُّل كلّ جديد. لذا نرجو ألاّ يُفهَم من هذه المرافَعة الطويلة، في الدفاع عن لغة الضاد، أنّنا ضدّ "التحديث" والتطوير. والواقع هو عكس ذلك، فنحن مع الجديد إنّما ضمن حدود، ومع تطوير اللغة وإغنائها إنّما ضمن حدود، وسبيلنا إلى ذلك "الترجمة والتعريب. ففي الترجمة تسمح لنا لغتنا بالاشتقاق والنحت، وفي التعريب تسمح لنا لغتنا بتعريب اللفظ الأجنبيّ بتخريجه وفق المخارج الصوتيّة واللسانيّة في النطق العربيّ. لكنّ المسألة تُحصَر، بل يجب ان تُحصَر في أيدي اللغويّين وعلماء اللغة، لا في أيدي شعراء الحداثة وأنصار الحداثة.

 

وفي تأكيد لما قلنا قبلاً، نجدّد القول أن لا إصلاح بلا مُصلحين وعدّة إصلاح. وفي هذا النوع من الإصلاح، لا اللغويّ قادر على ذلك وحده، ولا التربويّ المتخصّص في علوم التربية قادر على ذلك وحده. فلا بدّ من وجود تربويٍّ لغويّ، أو تربويّ متضلّع من لغة الضاد، ولا بدّ لمتخصّص قدير كهذا من أن تتوافر فيه الإرادة الطيّبة والمثاليّة في العمل. فللحفاظ على لغة الطفل العربيّ، والنهوض بهذه اللغة، نحن في حاجة إلى توافر عنصرَين اثنَين واقترانهما معاً، وهما المثاليّة  والمقدرة. فمن لنا بذلك؟ وأنّى لنا ذلك؟

 

وختاماً، نبلغ مؤتمركم الكريم، أنّنا، بسبب غيرتنا المبكرة على الطفل العربيّ وعلى مستواه اللغويّ، وجّهنا، في أوائل سنة ٢٠٠٣، كتاباً إلى المدير العامّ للمنظّمة العربيّة للتربية والثقافة والعلوم الدكتور المنجي بوسنينة، نقترح فيه أن ترعى المنظّمة مشروع تأليف معجم مدرسيّ يحمل عنوان "معجم الطفل العربيّ". بيد أنّنا لم نتلقَّ، حتَّى اليوم، أيّ ردّ أو جواب.

 

تحميل الملحق الثالث

جميع حقوق النشر محفوظة dr.josephelias.com